الجصاص
475
أحكام القرآن
مطلب : فيمن وجد الماء في آخر الوقت يجب عليه الوضوء وإن خاف فوات الوقت خلافا لمالك واختلف فيمن وجد الماء وخاف ذهاب الوقت إن لم يتيمم ، فقال أصحابنا والثوري والأوزاعي والشافعي : " من وجد الماء من مسافر أو مقيم وهو في مصر وهو في آخر الوقت فخاف إن توضأ أن يفوته الوقت لم يجزه إلا الوضوء " . وقال مالك : " يجزيه التيمم إذا خاف فوات الوقت " . وقال الليث بن سعد : " إذا خاف فوات الوقت إن توضأ يصلي بتيمم ثم أعاد بالوضوء بعد الوقت " . والأصل فيه قوله تعالى : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) فأوجب استعمال الماء في حال وجوده ونقله عنه إلى التراب عند عدمه ، فغير جائز نقله إليه مع وجوده لأنه خلاف الآية ، وحين أمره الله تعالى بغسل هذه الأعضاء لم يقيده بشرط بقاء الوقت وإدراك فعل الصلاة فيه ، فهو مطلق في الوقت وبعده ، وقال الله تعالى : ( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ) [ النساء : 43 ] فمنعه من فعل الصلاة إذا كان جنبا إلا بعد تقديم الغسل ، ولم يذكر فيه بقاء الوقت ولا غيره . ويدل عليه من جهة السنة قوله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر : " التراب كافيك ولو إلى عشر حجج فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك " ، فمتى كان واجدا فعليه استعمال الماء سواء خاف فوت الوقت أو لم يخف ، لعموم قوله : ( فاغسلوا ) ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : " التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء " فمتى كان واجدا للماء فليس التراب طهورا له فلا تجزيه صلاته . ومن جهة النظر أن فرض الطهارة آكد من فرض الوقت ، بدلالة أنه لا تجزى صلاة بغير طهارة وهي جائزة مع فوات الوقت . فإن قيل : إذا خاف فوت الوقت صلى بتيمم ليدرك فضيلة الوقت . قيل له : كيف يكون مدركا لفضيلة الوقت وهو غير مصل لأنه صلى بغير طهارة ! فإن قال : التيمم طهور ، قيل له : إنما هو طهور مع عدم الماء كما قال الله تعالى وكما شرطه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما مع وجوده فليس بطهور ، فالواجب عليك أن تدل أو لا على أنه طهور مع وجود الماء وإمكان استعماله من غير ضرر حتى تبني عليه بعد ذلك مذهبك في أنه مدرك لفضيلة الوقت . فإن قال قائل : المسافر إنما أبيح له التيمم ليدرك الوقت لا لأجل عدم الماء . قيل له : لو كان كذلك لما جاز له التيمم في أول الوقت في حال عدم الماء لأنه غير خائف فوت الوقت ، وفي اتفاق الجميع على جواز تيممه في أول الوقت دلالة على أن شرط جواز التيمم ليس هو لأجل فوت الوقت . فإن قال : لو كان شرط التيمم عدم الماء لما جاز للمريض ولمن يخاف العطش أن